أكد المستشار شفيق إمام أن دولة الإسلام لا تبدأ بالحجاب أو بقوانين تُسَن أو بمحظورات تُفرَض أو أزياء تُعَمّم، مشيراً إلى أن قضية الحجاب قضية خلافية خصها البعض بنساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم.
وقال المستشار إمام في دراسة أعدها بعنوان «الحقوق السياسية للمرأة وقضية الحجاب» إن «الحجاب ليس من شروط أو عناصر حق الانتخاب، كما لا يجوز أن يكون شرطاً في الناخب»، وأضاف أن اشتراط الحجاب لممارسة الحق الدستوري مخالفة لأحكام العديد من مواد الدستور، فضلاً عن تهديده الوحدة الوطنية ومجتمع الأسرة الواحدة.
المبحث الثاني: مسؤولية المشرع
وفقاً للمادة الثانية من الدستور في تعليق المذكرة التفسيرية للدستور على المادة الثانية منه تقول إن هذا النص- (وقد قرر ان الشريعة الاسلامية مصدر رئيسي للتشريع- انما يحمل المشرع امانة الاخذ بأحكام الشريعة الاسلامية ما وسعه ذلك، ويدعوه الى هذا النهج دعوة صريحة واضحة).
وتستطرد المذكرة التفسيرية فتقول: «ووضع النص بهذه الصيغة توجيه للمشرع وجهة اسلامية اساسية دون منعه من استحداث احكام من مصادر اخرى في امور لم يضع الفقه الاسلامي حكما لها، او من المتسحسن تطوير الاحكام في شأنها تماشيا مع ضرورات التطور الطبيعي على مر الزمن».
وتضيف المذكرة التفسيرية ان الدستور بهذا النص اراد ان يرفع حرجا بالغا عن المشرع (اذا ما حملته الضرورات العملية على التمهل في التزام رأي الفقه الشرعي في بعض الامور وبخاصة في مثل نظم الشركات والتأمين والبنوك، والقروض، والحدود وما اليها).
ولان الشريعة الاسلامية- وفقا للمفهوم الذي اخذت به المادة الثانية من الدستور- هي الفقه الاسلامي، فإن الدستور يكون قد حمل مجلس الامة (المشرع)، امانة ان يأخذ من آراء هذا الفقه، ما يراه موافقا لمقتضيات العصر، ويتخير من آرائه في المسألة الواحدة، التي تتنازعها آراء ما يلائم تطور الزمن، وتغير العصور، ويستبعد منها ما يتناقض مع مقتضيات تطور المجتمعات وحاجات الشعوب.
وقد قضت المحكمة الدستورية العليا في مصر بأنه:
إذا كان الاجتهاد حقا لأهل الاجتهاد، فأولى أن يكون هذا الحق ثابتا لولي الأمر يستعين عليه في كل مسألة بخصوصها- وبما يناسبها- بأهل النظر في الشؤون العامة، إخمادا للثائرة وبما يرفع التنازع والتناحر ويبطل الخصومة (2/1/1999 في القضية رقم 12 لسنة 9).
ومع نبل المقصد الذي حمل بعض الأعباء - في مجلس الأمة - عند مناقشة مشروع القانون بمنح المرأة حقوقها السياسية، على اقتراح الاضافة التي أقرها المجلس وصدر بها القانون رقم 17 لسنة 2005 وهي:
(ويشترط للمرأة في الترشيح والانتخاب الالتزام بالقواعد والأحكام المعتمدة في الشريعة الاسلامية).
فإنه من المقرر أن القواعد والاحكام المعتمدة في الشريعة الاسلامية هي القواعد والاحكام التي محل اتفاق بين كل العلماء المسلمين، بالامتناع عن كل أمر منهي عنه شرعا.
وقضية الحجاب ليست محل اتفاق بين جميع علماء المسلمين، على ان الامتناع عنه يعتبر حراما يستحق عقاب مَن اقترفه، بالنص الشرعي المحكم من كتاب الله وسنة رسوله، فقد اختلف فيها العلماء المجتهدون قديما وحديثا، فمنهم من اعتبر الامتناع عن ارتداء الحجاب منكرا ومنهم من اعتبره مكروها يجب تجنبه، ومنهم من اعتبرها من السنن والمستحبات، وان الاخذ بها امر مطلوب لبلوغ الكمال، والكمال لله وحده، ومنهم من رأى انها من خصوصيات نساء النبي.
ويستند كل رأي من هذه الآراء الى أدلته وأسانيده، التي لا يتسع المقام لتعقبها ولا للخوض فيها، وقد لا أملك من أدوات البحث في الادلة الشرعية ما يعينني على تقييم اي من هذه الآراء او ترجيحه على غيره.
وإنما يتمحض بحثنا لقضية الحجاب وللآراء التي تتنازعها بالقدر اللازم والضروري لبيان أن المشرع بهذه الاضافة الى المادة الاولى من قانون الانتخاب قد خرج على حدود التفويض الصادرة له، فضلا عن أنه لم يحالفه التوفيق في ما سعى اليه في حمله الرسالة التي حمله بها الدستور، وهي أن يحدد ما يعتمده من آراء الفقه الاسلامي المتعددة في هذه المسألة او في غيرها والتي تنازعها رأيان رئيسيان:
الرأي الأول- يختص الحجاب بنساء النبي دون غيرهن، ويستدل هذا الرأي على هذه الخصوصية بما يلي:
1- ان آية الحجاب نزلت في نساء الرسول في قوله تعالى:
(يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي الا ان يؤذن لكم الى طعام غير ناظرين اناه ولكن اذا دعيتم فادخلوا فاذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث ان ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء الحجاب ذلكم اطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم ان تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا ان ذلكم كان عند الله عظيما). فالآية تتحدث صراحة عن بيوت وأزواج النبي لا عن بيوت وأزواج عامة المسلمين.
2- وان خصوصية نساء النبي بالحجاب تبدو واضحة في ان المولى عز وجل استثنى محارم نساء النبي من الاحتجاب ولم يستثن محارم نساء المسلمين الا من إخفاء الزينة فحسب، في قوله تعالى في نساء النبي (لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن)، وفي قوله تعالى بالنسبة الى محارم نساء المؤمنين (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن او آبائهن او آباء بعولتهن) (تفسير الطبري).
3- ان آية الحجاب نزلت في مناسبة معينة خاصة بنساء النبي، حيث كان بيته مفتوحا لكل الناس، لتبليغ دعوته، فأشار عليه سيدنا عمر رضي الله عنه أن يأمر امهات المؤمنين بالحجاب، ولم يشر عليه بذلك بالنسبة الى نساء المؤمنين عامة، في قول عمر رضي الله عنه لرسول الله (يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت امهات المؤمنين بالحجاب) فأنزل الله اية الحجاب خاصة ببيوت النبي.
4- ان الحجاب فرض على نساء النبي (أمهات المؤمنين)، ولم يفرض على بناته ولا على ابنائه، ذلك انه لما قدم على النبي 'العاقب والطيب (من رؤوس وفد نجران من النصارى، فدعاهما الى الملاعنة)، فلما اصبح رسول الله، أقبل مع الحسن والحسين في خميل له، وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة'.
5- انه كان لعمر غيرة زائدة وكان معروفا بشدته ومع ذلك فانه لم ينكر على نساء المسلمين ان يخرجن لحاجتهن - بعد نزول آية الحجاب، وذلك لعلمه ان الحجاب خاص بنساء النبي'.
وقد نقل الحافط ابن حجر عن القرطبي قوله: (فان عمر قامت عنده أنفة من ان يطلع احد على حرم النبي 'فسأله ان يحجبهن فلما نزل الحجاب كان قصده الا يخرجن اصلا فكان في ذلك مشقة، فأذن لهن ان يخرجن لحاجتهن التي لابد منها).
6- وعن انس قال: اقام النبي 'بين خيبر والمدينة ثلاثا يبني على صفية بنت يحيي فقال المسلمون احدى امهات المؤمنين او مما ملكت يمينه، فقالوا ان حجبها فهي من امهات المؤمنين وان لم يحجبها فهي ما مملكت يمينه.
7- رفض الرسول 'الاذن لأمهات المؤمنين بعد فرض الحجاب المشاركة في الجهاد واذن لنساء المسلمين'.
8- عن يزيد بن هرمز ان نجدة كتب الى ابن عباس يسأله عن خمس خلال فكتب اليه ابن عباس، كتبت تسألني، هل كان رسول الله يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهن فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة وهناك شواهد عديدة على مشاركة بعض نساء المؤمنين في الجهاد بعد نزول اية الحجاب.
9- وقد ضرب العلماء اصحاب هذا الرأي امثلة كثيرة للقاء الرسول وصحابته بالنساء دون حجاب في الصلاة وفي الجهاد وفي طلب العلم وفي الامر بالمعروف وفي جميل الرعاية وفي التكريم والثناء وفي طلب الدعاء وفي الزيارة وفي عيادة المرضى وفي التمريض وعلى الطعام وفي المتابعة وفي مراجعة اولي الامر وفي الشفاعة وفي الملاعنة.
ورأى نفر آخر من علماء الاصول والحديث والفقه غير هذا الرأي وان الحجاب فرض على كل نساء المؤمنين مستندين الى الأدلة الاتية:
1- انه لا خصوصية الا بدليل، وان الخصائص لا تثبت بالاحتمال، وفي ذلك يقول ابن تيمية (ما احله الله لنبيه فهو حلال للامة ما لم يقم دليل التخصيص). وان كل ما يثبت لواحد من زمن النبي يثبت لغيره حتى يتضح التخصيص ولم يورد المعارضون ما يقدم دليلا على التخصيص.
2- ان علماء الحديث والفقه كالبخاري وابن حجر لم يوجهوا النصوص جهة الخصوصية عند شرحهم لها، واستنبطوا منها ما يؤكد عمومها.
3- ان لقاء نساء المؤمنين برسول الله لانه معصوم، وانه يمثل حال الكمال الانساني وكمال الصحة النفسية فلا افراط ولا تفريط في مجال الغيرة، فلقاؤه بهن مع كمال التقوى وكمال الحرص على اعراض المسلمين.
4- ان وقائع لقاء نساء المؤمنين برسول الله كانت لضرورات شرعية.
5- ان وقائع لقاء صحابة رسول الله بنساء المؤمنين تعتبر وقائع أعيان لا عموم لها.
وان المجتمع على عهد رسول الله كان مجتمعا صالحا تؤمَن فيه الفتنة بعكس مجتمعاتنا التي يكثر فيها الانحلال الخلقي وتشتد فيها الفتنة.
6- ويسوق المعارضون الآية الكريمة (وقرن في بيوتكن).
7- ان الحجاب أطهر للقلب واكثر راحة للنفس يريحها من عناء مجاهدة الفتنة، فلا حاجة لغض البصر ولا حاجة لمقاومة وساوس الشيطان.
8- حديث الرسول (اياكم والدخول على النساء، اي تحريم الخلوة بالأجانب).
9- وعن ابن عباس رضي الله عنه قال رسول الله (لا تسافر امرأة الا مع ذي محرم ولا يدخل عليها رجل الا ومعها محرم).
10- ان النبي 'لم يكن يدخل بيتا في المدينة غير بيت ام سليم الا على ازواجه، وقد قال اني ارحمها قُتل أخوها معي'.
اجتهادات السابقين
وعلى العموم فان اجتهادات السابقين في هذه المسألة التي هي محل خلاف بينهم أصلا كما قضت المحكمة الدستورية العليا في مصر لا يجوز ان تكون مصدرا نهائيا او مرجعا وحيدا لاستمداد الاحكام العملية منها، بل يجوز لولي الامر ان يشرع على خلافها وان ينظم شؤون العباد في بيئة بذاتها تستقل بأوضاعها وظروفها الخاصة، بما يرد الامر المتنازع عليه الى الله ورسوله.
ومع ذلك فان احكام الشريعة الاسلامية لا تكون واجبة التطبيق بالتعويل على نص المادة الثانية من الدستور - بعد تعديلها - الا اذا استجاب المشرع ذاته وأفرغ هذه الاحكام في نصوص تشريعية محددة ومنضبطة تنقلها الى محال العمل والتنفيذ (نقض، جنائي الطعن 3429 لسنة 55 ق، -جلسة 14/11/85 وطعن رقم 3307 لسنة 56ق - جلسة 22/10/1986.
كما قضت في الحكم ذاته بأن اجتهاد احد الفقهاء ليس احق الاتباع من اجتهاد غيره، وربما كان اضعف الآراء سندا، اكثرها ملاءمة للاوضاع المتغيرة، ولو كان مخالفا لاقوال استقر عليها العمل زمنا. (جلسة 26/3/1994 ق 29 لسنة 11 ق - وجلسة 5/7/1997 ق82 لسنة 17 ق).
وان تخير المشرع مذهبا دون مذهب او ارجح الاقوال في مذهب من المذاهب والزام القضاء التقيد به هو من المسائل التي يترخص فيها بسلطة تقديرية وفقا لما يراه ملائما لظروف المجتمع بلا معقب عليه في تقديره (3/4/76 ق10 لسنة 5ق عليا). وان اعمال حكم العقل في ما لا نص فيه تطويرا لقواعد عملية رفقا بالعباد مرده ان شريعة الله جوهرها الحق والعدل، لا تمنح اقوال احد من الفقهاء في شأن من شؤونها قدسية تحول دون اعادة النظر فيها وابدالها بغيرها- الشريعة الاسلامية متطورة بالضرورة نابذة الجمود ولا يتقيد الاجتهاد فيها - وفي ما لا نص عليه - بغير ضوابطها الكلية وبما لا يعطل مقاصدها (جلسة 18/5/1996- القضية رقم 8 لسنة 17 قضائية دستورية). بما تقوم عليه هذه المقاصد من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال (جلسة 18 مايو 1996 في القضية رقم 8 لسنة 17 قضية دستورية).
وقد اجتهدت المحكمة الدستورية العليا في مصر في قضية الحجاب بمناسبة قرار اصدره وزير التربية والتعليم في مصر بوصفه الزي المدرسي للطالبات فقررت ان هذا القرار لا يناقض المادة الثانية من الدستور، لان حق الاجتهاد في المسائل الخلافية مقرر لولي الامر بما ييسر للناس شؤونهم وبما لا يعطل المقاصد الكلية للشريعة، وانه لا يناقض هذه المقاصد تنظيم ولي الامر في دائرة بذاتها لباس الفتاة على النحو الذي صدر به القرار المذكور (جلسة 18/5/1996، القضية رقم 8 لسنة 17 قضائية دستورية).
وقد اصابت المحكمة الدستورية الحق في هذا القضاء، لانه قضاء في مسألة لا يتعلق بها حق دستوري اخر، بل ان تدخل الدولة فيها يمليه واجبها في رعاية النشء طبقا للمادة العاشرة من الدستور كما يعتبر تدخلا من المدرسة في شأن من شؤون التربية التي تتولاها مع الاسرة، لتحقيق الانضباط والمظهر الموحد اللائق بطالبات يقصدن المدرسة لطلب العلم، وليس للتباهي والتفاخر امام غيرهن من الطالبات التي لا تسمح ظروفهن بتقليدهن.
اما تدخل المشرع بالقانون رقم 17 لسنة 2005 لإلزام المرأة عند الترشيح او الانتخاب بالقواعد والاحكام المعتمدة في الشريعة الاسلامية فلم يكن له ما يبرره من نصوص الدستور المتعلقة بنظام الحكم.
ومع ذلك فان القانون رقم 17 لسنة 2005 لم يحدد ما اختاره من قواعد واحكام في الشريعة الاسلامية وهي الرسالة التي حملته بها المادة الثانية من الدستور الكويتي، حين الزم المرأة في الترشيح والانتخاب باحكام وقواعد لم يحددها حيث تختلف فيها الاراء في الفقه الاسلامي وتتباين حول هذه المسألة منها ما يتشدد ومنها ما يتخفف من هذه الالتزامات والضوابط بحيث اصبح الالتزام غامضا وغير مفهوم او واضح.
بل اغفل المشرع بهذه الاضافة الى القانون ان تنظيمه لحق الانتخاب، يجب ان يراعى فيه ما يرتبط بهذا الحق من حقوق دستورية اخرى، وهو ما سنتناوله في المحور الثاني من هذه الدراسة.
المحور الثاني
مخالفة القانون لنصوص دستورية أخرى: وقد حمل الدستور المشرع امانة الاخذ باحكام الشريعة الاسلامية ما وسعه ذلك، فان المشرع في حمله هذه الامانة، يكون عليه واجب مضاعف الاثقال، وهو ان يتقيد في ما يأخذ به وما يستبعده من احكام الفقه الاسلامي بالنصوص الدستورية الاخرى، وبالحقوق الدستورية المستمدة منها فالأصل في الدستور انه وحدة واحدة، تتكامل نصوصه في ما بينهما وتتعاضد وتترابط بما يرد عنها التنافر او التناقض ولهذا قضت المحكمة الدستورية العليا في مصر بأن تفسير النص الدستوري لا يجوز ان يكون بمعزل عن نصوص الدستور الاخرى، وانما يكون متساندا معها بما يقيم بينها التوافق وينأى بها عن التعارض (جلسة 19/5/1960 قضية 37 للسنة القضائية التاسعة).
كما قضت المحكمة الدستورية في الكويت بأنه لا يجوز الاحتجاج بنص قانوني في مواجهة قاعدة اعلى مقررة بنص الدستور، وان النص الدستوري هو اولى بالاعمال طبقا لمبدأ تدرج القواعد القانونية (جلسة 14/6/1986- طلب التفسير رقم 1 لسنة 75ق). كما قضت بأن القاعدة في تدرج التشريعات ان يتقيد كل تشريع بالتشريع الاعلى منه درجة فلا يجوز لتشريع عادي ان يتعارض مع تشريع دستوري (جلسة 12/5/1979 - طلب التفسير رقم 1 لسنة 1979). وانه ليس هناك حق دستوري مطلق لا يقيده قيد ولا يحده حد بل تحوطه ضوابط واعتبارات دستورية (جلسة 8/11/1982 في طلب التفسير رقم 3 لسنة 1982). ومن هذه النصوص التي ترد قيدا على ما ورد في القانون رقم 17 لسنة 2005 بشأن تعديل بعض احكام قانون الانتخاب، والذي الزم المرأة في استخدام حقها في الترشيح والانتخاب بالقواعد المعتمدة في الشريعة الاسلامية والتي وقع القانون المذكور في حومة مخالفتها النصوص الدستورية الآتية:
1- المادة (6) من الدستور التي تنص على ان (نظام الحكم في الكويت ديمقراطي).
2- وان (السيادة للامة مصدر السلطات جميعا).
3- حق الاقتراع العام، المنصوص عليه في المادة (80) من الدستور.
4- الحق في الخصوصية.
5- الاخلال بمبدأ المساواة المنصوص عليه في المادة (29) من الدستور والذي هو جوهر حق الاقتراع العام.
6- اهدار الحق بدلا من تنظيمه.
7- تهديد الوحدة الوطنية ومجتمع الاسرة الواحدة.
وهي النصوص الدستورية التي سنتناولها فيما يلي:
أولا - النظام الديمقراطي في الكويت:
تنص المادة (6) من الدستور على ان نظام الحكم في الكويت ديمقراطي. وتتركز الديمقراطية على دعامة اساسية، هي احترام وكفالة الحقوق والحريات الشخصية، ولا نزاع في ان تحقيق هذا الامر يعتبر اهم اهداف الديمقراطية، التي ما قامت الا لحماية هذه الحقوق والزود عن الحريات.
ولا يوجد نظام ديمقراطي سليم، الا اذا كفل الحرية الشخصية وتقررت في ظله حرية العقيدة وحرية الرأي وحرية التعبير وحق الاجتماع. وتنص المادة 35 على ان حرية الاعتقاد مطلقة.
كما تنص المادة (36) على ان (حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة، ولكل انسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول او الكتابة او غيرها). وتنص المادة (37) على حرية الصحافة والطباعة والنشر.
ومن مجموع هذه الحقوق يتكون النسيج السياسي للمجتمع الديقمراطي وجوهر النظام الديمقراطي هو في تمثيل كل اطياف المجتمع وتوجهاته المختلفة والاعتراف بمشروعية تعدد الآراء حتى في الضوابط الشرعية وما تلتزم به المرأة منها وما لا تلتزم به ففي اختلاف رأي الفقه الاسلامي فيها وفي غيرها رحمة بالعباد كما يقول علماء اصول الفقه، فلا احد يملك الحقيقة كاملة، وان احدا لا يملك الزعم بانفراده بقول الصواب، كما لا يملك مصادرة حق الآخرين في إبداء الرأي الآخر.
وان نظام الانتخاب هو الوسيلة الوحيدة لإقرار النظام الديمقراطي باعتبار ان نظام الانتخاب هو وسيلة الشعب لحكم نفسه بنفسه، وحيث لا قيام لنظام ديمقراطي من غير وسيلة الانتخاب، وبقدر ما يحقق نظام الانتخاب للهدف منه بقدر ما يكون نظاما ديمقراطيا ونظاما دستوريا، وبقدر ما يقعد عن تحقيق هذا الهدف بقدر ما ينكص النظام الديمقراطي والنظام الدستوري على عقبيه والهدف من اي نظام انتخابي ناجح هو توسيع دائرة المشاركة الشعبية في الانتخابات.
وبذلك يعتبر قانون الانتخاب رقم 17 لسنة 2005 فيما نص عليه من حق المرأة في الانتخاب والترشيح علامة مضيئة في طريق التحول الديمقراطي، بتوسيع المشاركة الشعبية لتشمل (209111 امرأة)، كن محرومات من هذا وهو العدد المقيد في جداول الانتخاب في عام 2009، بما يزيد على عدد الرجال المقيدين في هذا الجدول (175697 رجلا).
تمثيل الأقليات
ولا جدال في انه ايا كانت اعداد النساء التي لا ترتدين الحجاب وهو عدد كبير بلا شك وايا كانت نسبته الى مجموع الناخبين فان حرمانهن من حق الانتخاب لعدم ارتداء الحجاب يباعد بين هذا القول وبين الهدف الذي أراد المشرع تحقيقه بالقانون رقم 17 لسنة 2005، حتى ولو كان عدد النساء اللاتي لا ترتدين الحجاب محدودا لأن المعيار الذي توصل اليه الباحثون في النظم الديمقراطية هو قدرتها على تمثيل الاقليات والاحزاب الصغيرة، وقد اعتبرت عشر دول من بين أكثر من مئة دولة وتحتل مراكز الصدارة بموجب هذا المعيار هي الدنمارك وهولندا وايطاليا وبلجيكا والسويد وفرنسا والنرويج والمانيا الغربية والنمسا واستراليا.
وان ديمقراطية الاستثناءات، وأعني استثناء المرأة غير المحجبة من حق الانتخاب وحق الترشيح تفرغ الديمقراطية من مضمونها بالتضحية باحد اهم عناصرها، وهو حق الآخر في الوجود والمشاركة، وهذا الآخر هو حق قطاع عريض من الامة لهن رأي في الحجاب يجب ان يحترم، المسألة اذن ابعد من كونهن اغلبية او اقلية.
وان قضية الحجاب وتداعياتها على الحقوق الدستورية تصبح مناقضة تماما لما تشهده المرحلة الراهنة من تنامي ونضج متزايد في تعامل الحالة الاسلامية مع فكرة التعددية السياسية.
وان تسامح المتشددين في قضية الحجاب عندما يتعلق الأمر بنسوة بالغات سن الرشد السياسي يمارسن حقا سياسيا وليست طالبات ينخرطن في المدارس، لا يعني بالضرورة الإقرار بما يخالف معتقداتهم.
ثانيا - ان السيادة للأمة مصدر للسلطات:
بعد أن نصت المادة (6) من الدستور على ان (نظام الحكم في الكويت ديمقراطي) اضافت (السيادة فيه للأمة مصدر السلطات).
وسيادة الامة مبدأ اعتنقته الثورة الفرنسية بعد ان كانت السيادة في القرون الوسطى في فرنسا تتركز في شخص الملك على اعتبار انه صاحبها الفعلي، وبعد ان كانت سيادة البابوات والاباطرة الرومان تقيد سيادة ملوك فرنسا.
وكان رجال الثورة الفرنسية قد اعتنقوا نظرية العقد الاجتماعي عند روسو، الذي كان من مقتضى عقده الاجتماعي ان تنتقل السيادة من الحاكم الى الامة، وأصبح الحاكم بناءً على هذا المبدأ وكيلا عنها وممثلا لها ومندوبا عنها في استخدام سيادتها باسمها ولصالحها.
وفي ظل هذا المبدأ يكون النائب ممثلا للامة بأسرها وهو المبدأ الذي جسدته المادة (108) من الدستور فيما نصت عليه من ان (عضو مجلس الأمة يمثل الامة بأسرها).
وتقوم نظرية سيادة الأمة على اعتبار الامة وحدة، دائمة ومجردة ومستقلة عن أفرادها وتعتبر هيئة الناخبين في الانتخابات التي تجرى لاختيار ممثلي الأمة في المجالس التشريعية معبرة عن إرادة هذه الامة.
وفي اعتبار النص الدستوري الامة مصدر السلطات جميعا، فان هيئة الناخبين التي تعتبر معبرة عن ارادة الامة، تعتبر مصدر السلطات جميعا، التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهي في الوقت ذاته تعتبر المحكمة والقضاء الشعبي الذي يجري محاكمة للمرشحين للنيابة عن الامة، سواء رشحوا انفسهم لاول مرة او عند تجديد انتخابهم فالخصومة في الانتخاب شأنها شأن الخصومة القضائية، يتجادل اطرافها ويتبارون في جلسات علانية، وعلى صفحات الصحف وفي الديوانيات ويدلي كل منهم ببرنامجه الانتخابي ويتقاذفون الحجج ويتجادلون في تاريخهم واعمالهم ومؤهلاتهم وخبراتهم التي تؤهلهم لتمثيل الامة والتي يعتقد كل مرشح انه يتفوق بها على اقرانه من حيث سجل عمله العام، وما قدمه لبلده من خدمات في مختلف مناحي الحياة ومنظمات المجتمع المدني، ويكون كل هذا هدفا للانتقاص من خصومه ومن الناخبين الذين يعتبرون بمنزلة المحلفين في هذا القضاء الشعبي، ومن حق المرشح ان يدفع الاتهامات الموجهة اليه وان يستل من الخصومة الانتخابية السهام التي رماه بها خصومه ليرسلها عليهم.
وقد كانت معركة المرأة في الانتخابات، معركة حامية الوطيس اثارت الغبار، وتركزت ثورتها وحراراتها في قضية حق المرأة في الانتخاب وفي الترشيح، والتي كانت محل فتوى شرعية اصدرتها دار الافتاء في بلد عربي وهي ان المرأة ليس لها حق في الترشيح او الانتخاب وفقا لأحكام الشريعة الاسلامية، كما كان الحجاب كذلك قضية مطروحة على الساحة الانتخابية كذلك.
وكانت كل من الدكتورة العوضي والدكتورة رولا دشتي لا ترتديان الحجاب في جولاتهما الانتخابية وفي مقارهما، رآهما الناخبون والناخبات على هذا الحال وصوتوا لهما، آخذين ذلك في الاعتبار.
حتى اذا ما أتم كل دفاعه وحانت ساعة الانتخابات تنزلت من السماء كلمة الحق والعدل، في اختيار مَن رآه الناخبون افضل من غيره، في حكم اصدرته هذه المحكمة الكبرى واصدره هذا القضاء الشعبي بلا معقب عليه، من سلطة من السلطات الثلاث، ولو كانت السلطة القضائية، طالما ان الانتخابات كانت حرة ونزيهة وكانت الاصوات التي حصل عليها الفائزون والفائزات في هذه الانتخابات صحيحة ومؤدية الى النتيجة التي انتهت اليها لجان الفرز واللجنة العليا، في انتخابات أشرف عليها رجال القضاء انفسهم.
ومن هنا فانه لا يجوز لأية محكمة ان تراجع قرارات واختيارات المحكمة الكبرى، الممثلة في هيئة الناخبين المعبرة عن ارادة الامة في الحكم الذي اصدرته هذه المحكمة بانتخاب الدكتورة اسيل العوضي والدكتورة رولا دشتي، والتي فازت أولاهما في هذه الانتخابات بـ11860 صوتا، واحتلت المركز الثاني، كما فازت الثانية في هذه الانتخابات بـ7666 صوتا واحتلت المركز السابع، من بين العشرة الناجحين في الدائرة الثالثة.
ثالثا - تحويل الاقتراع العام الى اقتراع مقيد بالمخالفة للمادة (80) من الدستور:
وتعمل الديمقراطية على ان تجعل حكم الشعب حقيقة واقعة من خلال ترسيخ حق الاقتراع العام، الذي أرسته المادة (80) من الدستور في ما نصت عليه المادة (80) من الدستور من ان (يتألف مجلس الامة من خمسين عضوا ينتخبون بطريق الانتخاب العام)، وهو التعبير الدارج لحق الاقتراع العام.
ويعتبر مبدأ الانتخاب بطريق الاقتراع العام، هو جوهر النظام الديمقراطي بما يضمنه من مشاركة كل أفراد المجتمع في المجتمع على اختلاف توجهاتهم وتباين افكارهم ومعتقداتهم فالاقتراع العام هو الاقتراع الذي يسمح لجميع المواطنين بحق الانتخاب او التصويت دون قيد او شرط او تمييز بسبب الاصل او اللغة او الدين او بسبب الثروة او الدخل او المولد او التعليم.
وقد عرَّف الفقيه الفرنسي فيدل الاقتراع العام بطريقة سلبية بأنه الاقتراع الذي لا يستبعد به أي شخص من حق التصويت بسبب ثروته او دخله او مولده او اصله او تعليمه او جنسه.
وقد كان حق الاقتراع العام ثمرة كفاح طويل للطبقات والفئات المحرومة من حق الانتخاب، بسبب حق الاقتراع المقيد، في الانظمة التي تفرض قيودا على حق التصويت، مثل القيد القائم على النصاب المالي او الكفاءة والتعليم او الجنس، مثل حرمان المرأة من حق التصويت.
وقد تم منح المرأة حق التصويت لأول مرة في سنة 1869 في ولاية يومنج بالولايات المتحدة الاميركية، وتوالت الولايات الاميركية لتحذوا حذوها الى ان عدل الدستور الاتحادي سنة 1920 الذي حرم تقييد حق الانتخاب بسبب الجنس.
وعندما مُنِحت المرأة حق التصويت في انكلترا لاول مرة في سنة 1918 قيد هذا الحق بالنساء اللائي بلغن سن الثلاثين بينما كان السن بالنسبة الى الرجال الواحد والعشرين.
ولقد أصبح الاقتراع العام مبدأ مقررا بلا جدال في ذلك، في كل دساتير الدول المتقدمة، عاما ومتسما بالمساواة ولهذا يجري تحرير الجداول الانتخابية واعادة القيد فيها خلال فترات زمنية قصيرة، بعمليات اضافة وعمليات حذف تجريها الادارة من تلقاء نفسها في بعض الدول، بناء على المعلومات التي ترد خلال هذه الفترات عن الاشخاص الذين بلغوا سن الرشد السياسي، والاشخاص الذين توفوا او حرموا من هذا الحق بناء على احكام قضائية تمس الشرف او النزاهة او الامانة.
ولم يتنبه فيدل او غيره من الفقهاء او اعلانات الحقوق والدساتير الى ان (لباس المرأة او الرجل) يمكن ان يكون عائقا دون استخدام حق الانتخاب او التصويت، لان الجميع كان يعنى بالمضمون ولا يعنى بالشكل، فلم يرد في التصور او الخاطر ان يحرم انسان من حق دستوري بسبب اللباس الذي يرتديه.
ومن ثم يكون نص المادة الاولى من قانون الانتخاب في ما تضمنه من الزام المرأة بارتداء الحجاب بافتراض ان ذلك ما يعنيه المشرع بالتزام المرأة بالقواعد والاحكام المعتمدة في الشريعة الاسلامية، نصا مخالفا لمبدأ الاقتراع العام المنصوص عليه في المادة (80) من الدستور.
رابعا - المساس بالحق في الخصوصية:
تنص المادة (30) من الدستور التي تنص على ان الحرية الشخصية مكفولة. وقد قضت المحكمة الدستورية بأن حق المواطن في كفالة حريته الشخصية يشمل حقه في الخصوصية الذي هو قلعة يحتمي فيها الفرد ضد تعكير صفو حياته (جلسة 1982/11/8 - الطعن رقم 3 لسنة 82 دستوري).
كما قضت كذلك بأن الحق في الخصوصية حق يحميه الدستور تأكيدا للحرية الشخصية (جلسة 1986/6/14) - الطعن رقم 1 لسنة 1986).
ولباس الرجل او المرأة، هو احد عناصر الشخصية، والحق في الخصوصية، فكما لا يجوز للمشرع في تحديده شروط الانتخاب، وفقا للتفويض الصادر له بالمادة (80) من الدستور، ان يشترط على الرجل لاستخدامه حقه في الترشيح او التصويت ارتداء الزي الوطني (الدشداشة)، لا يجوز كذلك للمشرع ان يلزم المرأة بارتداء الحجاب عند استخدام هذا الحق، ويعتبر القانون الذي ينص على هذا الالتزام او ذاك، بالنسبة للرجل او المرأة، منطويا على المساس بالحق في الخصوصية مخالفا للمادة (30) من الدستور.
(يتبع)